مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

لحظة تمرد

محفوظ الأنصارى و«الزلزال» الإفريقى قبل وقوعه 3-3 !!

 


هناك لحظات فى الحياة لا تُقاس بالدقائق، بل بمدى ما تُحدثه من جلالٍ فى الروح؛ ساعتان كانتا بمثابة عبورٍ فلسفى فوق جسر الزمن، لم أكن فيهما مجرد زائر، بل كنت غريقاً يتنفس الحكمة والمهنة  فى حضرة الأستاذ محفوظ الأنصاري..أحد أساتذة الصحافة فى بلاط صاحبة الجلالة..  كنت أُبحر فى تجاعيد وجهه التى لم تكن سوى أيام من سيرة وطن، وأتأمل نبرات صوته التى تحمل دفء الحقيقة وجسارة المواقف.. عادت بى الذاكرة طائعة إلى عام 1986، يوم أن التقيت به لأول مرة وجهاً لوجه، فتجلت لى تلك الحقيقة الفلسفية الخالدة: إن الكبار يسكنون فى وجداننا كبوصلة لا تخطئ.

ساعتان لم تكونا مجرد مدة زمنية تعبرها عقارب الساعة، بل كانتا سفراً دافئاً عبر الزمان والمكان، غرقاً حميماً فى ذاكرة لا تصدأ، وملاحةً شغوفة فى تفاصيل وجهٍ طالما تحصن بالوقار، ونبرات صوتٍ تجيد التسلل إلى الروح دون استئذان. هناك، وفى حضرة الأستاذ محفوظ الأنصاري، استرجعت شريط العمر منذ اللقاء الأول الذى جمعنا وجهاً لوجه عام 1986؛ لقاء صاغ بداية مسارٍ حافل بالتعلم والتأمل، ونهضة صحفية صعدت بتوزيع الجمهورية إلى مليون و100 ألف نسخة فى عددها الأسبوعى

فى الجلسة امتزج فيها الماضى بالحاضر، وكانت رفيقة عمره السيدة نجوى خليل رفيقة الرحلة ورفيقة الذاكرة، بمثابة القنديل الذى يضيء خبايا الأرشيف من  صفحات وصور  تنبض بالحياة ، تمنح الصور حباتِ روحٍ إضافية وهى تستعرض معى ملامح تلك الرحلة الإنسانية الشاهقة. لكن الذروة الأشد عمقاً كانت حين وقعت عيناى على صوره و أوراقه المخطوطة بخط يده؛ مسودات مقالاتٌ كتبها منذ سنوات طويلة، غير أن حبرها لا يزال رطباً، وكأن يده كانت تتجاوز زمنها لتكتب واقعنا الحاضر بوضوحٍ مذهل. إنها لم تكن مجرد أوراق قديمة، بل كانت نبوءة إنسانية تخبرنا أن الجوهر البشرى لا يتغير، وأن الكلمة الصادقة تظل حيةً، تتحدى جدار الوقت وتهزُّ غبار النسيان.

غير أن المفاجأة الحقيقية كانت تكمن بين الأوراق المخطوطة بخط يده، مقالاتٌ خطتها يداه منذ سنوات طويلة، لكنك حين تقرؤها اليوم تصاب بذهول الدهشة، وكأنه يقرأ الطالع، أو يقف منذ أكثر من 40 عاما وسط زحامه ليكتب عن نبضنا اليوم بالحبر ذاته والحرقة ذاتها..منها :

التدويل.. وفقدان السيادة الوطنية

عنوان «التدويل».. وفقدان السيادة الوطنية.. يشرح عملية التحول: أثر عملى للتدخل السياسى – أزمة الفقر وتداعيات الأزمة والتدخل فى المنطقة الإقليمية والدولية.. – فى البداية  .. التقسيم وبعده الاستقلال – بناء أساسى قوى والتغيير السياسي..

يمكن القول ان عمليات التدوين القائمة والمفروضة على عدد من المشاكل والقضايا الدولية فى عدد من الاقاليم فى العالم هى البداية الفعلية والعملية لاستكمال بناء الامبراطورية الأمريكية وقيامها فى «البلقان، كسوفو ،فى السودان ، لبنان ، العراق ، الصومال، دارفور ، الكونغو ، كوت ديفوار».

فى قراءته لـ «التدويل» وفقدان السيادة ، يمارس الأنصارى نقدًا صحفياً تفكيكياً للمفاوضات الدولية.. يُسجل بصرامة جيوبوليتيك التدويل: التفكيك تحت مظلة «السلام»: «فى البداية التقسيم وبعده الاستقلال» ، مرتقياً بالتحليل الصحفى من التغطية السطحية لجولات التفاوض إلى تعرية الفلسفة الخفية. رأى أن “التدويل” فى أعمق صورة ليس مخرجاً للأزمة، بل ينتزع القرار الوطنى السودانى مثلا  لتُدار المفاوضات فى العواصم الخارجية، وهو عملية إدارية لتأطير الانقسام، وتحويل الهشاشة الوطنية إلى خرائط ممزقة تُجهز على سيادة الدولة تحت شعارات السلام المفخخ.

السودان إلى أين؟

تجسد هذه الملاحظات المدونة قراءة دقيقة ومحورية لأحد أكثر الملفات تعقيداً فى التاريخ العربى والأفريقى الحديث: «السودان إلى أين؟». إن النظرة المتفحصة للنص تكشف عن فهم عميق لمسار الأزمة السودانية؛ فهى لا تلتفت فقط إلى السطح السياسى المتمثل فى النزاعات المسلحة، بل تغوص فى جذور الهيكلية المركبة للأزمة، محددة أبعادها الثلاثية: التاريخية/الجغرافية، والاقتصادية/الاستعمارية، والتنافس الدولى الإقليمي.

نجوى خليل الحارس والسند  

لا يمكن استحضار هذا التراث الصحفى الفريد دون الوقوف بإجلال وتقدير أمام الدور العظيم الذى تقوم به السيدة نجوى خليل، زوجة الكاتب الكبير،  المرأة التى تُجسد القوة والحنان، وتشكل فى حياة الأنصارى شاطئ الأمان و”حائط الصد” الصلب فى مواجهة ضراوة المرض الذى يكتوى به الأستاذ الآن.. هى الحارس الأمين على هذا الإرث العريض، تعتنى بأوراقه، وتهذب ذكرياته، وتحفظ نياشينه وصوره. وفى الوقت الذى قضيته بين هذه الوثائق الأصلية أجدها خير معين وسند، تجود بالملاحظات وتفتح أبواب الأرشيف الخاص بمحبة ورعاية كريمة، لتكون بحق الشريك الاستثنائى فى رحلة الفكر والعطاء.